عبد الله بن أحمد النسفي
234
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 36 إلى 37 ] فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 36 ) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 37 ) بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه ، وكان هذا النوع من النذر مشروعا عندهم ، أو مخلصا للعبادة ، يقال طين حرّ أي خالص فَتَقَبَّلْ مِنِّي « 1 » مدني وأبو عمرو ، والتقبل : أخذ الشيء على الرضا به إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . 36 - فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما في بطني ، وإنّما أنّث على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى أنثى حال من الضمير في وضعتها ، أي وضعت الحبلة أو النفس أو النسمة أنثى ، وإنّما قالت هذا القول لأنّ التحرير لم يكن إلا للغلمان ، فاعتذرت عما نذرت وتحزنت إلى ربّها ، ولتكلّمها بذلك على وجه التحزّن والتحسّر قال اللّه : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ تعظيما لموضوعها ، أي واللّه أعلم بالشيء الذي وضعت ، وما علق به من عظائم « 2 » الأمور ، وضعت شامي وأبو بكر بمعنى ولعلّ للّه فيه سرا وحكمة ، وعلى هذا يكون داخلا في القول ، وعلى الأول يوقف عند قوله أنثى ، وقوله : واللّه أعلم بما وضعت ابتداء إخبار من اللّه تعالى وَلَيْسَ الذَّكَرُ الذي طلبت كَالْأُنْثى التي وهبت لها ، واللام فيهما للعهد وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ معطوف على إني وضعتها أنثى ، وما بينهما جملتان معترضتان ، وإنّما ذكرت « 3 » تسميتها مريم لربّها لأنّ مريم في لغتهم العابدة ، فأرادت بذلك التقرّب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقا لاسمها ، وأن يصدق فيها ظنّها بها ، ألا ترى كيف اتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان بقوله وَإِنِّي « 4 » مدني أُعِيذُها بِكَ أجيرها وَذُرِّيَّتَها أولادها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ الملعون ، في الحديث : ( ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مسّ الشيطان إياه إلا مريم وابنها ) « 5 » . 37 - فَتَقَبَّلَها رَبُّها قبل اللّه مريم ورضي بها في النذر مكان الذّكر بِقَبُولٍ حَسَنٍ قيل القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسّعوط لما يسعط به ، وهو اختصاصه لها
--> ( 1 ) في ( ز ) منّي مدني . ( 2 ) في ( ز ) عزائم . ( 3 ) في ( ز ) وإنما ذكرت حنة تسميتها . ( 4 ) زاد في ( ز ) وإنّي مدني . ( 5 ) الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة .